محمد كرد علي
33
خطط الشام
بحر الظلمات وبحر الشمال وغيره ، ولم ينازعهم منازع من الشعوب في هذا الباب ، لأنهم كانوا يكتمون سرّ الطرق التي يسلكونها ويتشددون في كتمانها . وربما أغرقوا سفنهم إذا اطلع بعض البحارة من الغرباء عنهم على خطة رحلاتهم ، فضلا عن إغراق مراكب من يحاول سرقة أسرارهم في طرقهم البحرية . ولم يعرف غير الفينيقيين جزائر الكاسيتريد أو جزائر سورلنج في الشاطئ الغربي من الجزائر البريطانية . ولم يؤثر عن العبرانيين أن كان لهم أسطول بل قوارب لا تبعد كثيرا عن الساحل على النمط القديم . أما الفراعنة الذين حكموا جزءا مهما من جنوب الشام وساحله مدة فكانت بحريتهم وصناعتهم « 1 » في مصر أولا ، ثم جعلت في طرابلس وصور وجبيل لقربها من مستودع الأخشاب الصالحة لصنع السفن . ولم تكن ملاحة للفراعنة من السلائل الأولى حتى الدولة السادسة والعشرين لأنهم ليسوا أمة حربية . بحرية الرومان واليونان : كانت البحرية في العهد اليوناني في الشام على مثال بحرية تلك الدولة قوية منظمة . وكانت اليونان أمة بحرية من الطراز الأول في القديم . ألفوا اليمّ منذ عرف تاريخهم ، ومعظمهم جزائريون طالما عاركوا البحر وعركهم . وانطبع سكان الساحل الشامي بطابعهم وساروا على أقدامهم في سلوك سبل البحار . ومثل ذلك يقال في الرومان الذين طال عهدهم في الشام ، فإن أساطيلهم كانت تحمل من شواطئ إيطاليا وإليها تجارات الأمم التي خضعت لسلطانهم . وصعب أن يحكم على بحرية الشام في الدور الروماني ولعلها لم تخرج في كل حال عن طور اليونان ، ولا شك أن بعض المواني الشامية كان لها صناعات كما كان لها في كل دور . ويمكن أن يقال على الجملة : إن الشام لم يعرف له منذ عرف تاريخه إلى الفتح الإسلامي بحرية خاصة وافية بالغرض
--> ( 1 ) الصناعة في العرف اسم المكان المعد لإنشاء المراكب والسفن نقلت إلى لغات الغرب فصارت ارسنال ( Arsenal ) وعادت إلى العرب من طريق الترك باسم « ترسانة » .